سامي براهم... شاهد شاف حاجة في تونس

محمد أبو رمان

محمد أبو رمان

22 نوفمبر 2016

أعرف الصديق سامي براهم، الباحث التونسي المتخصص في علم الاجتماع، من المؤتمرات والندوات التي نلتقي بها سوياً، وهو شخصٌ من السهل أن تعجب بثقافته وعقله النقدي وأدبه الجمّ، لكنّني فوجئت، كغيري كثيرين، ممن يعرفون هذا الجانب من سامي، بتجربته المريرة في السجن وبعده، والتعذيب الذي ناله في عهد زين العابدين بن علي، فهي تجربةٌ على الرغم من كل اللقاءات لم يذكرها سامي أمامنا.
أحدثت شهادة سامي براهم أمام هيئة الحقيقة والكرامة، التونسية، أخيراً، صدىً واسعاً وكبيراً على صعيد المجتمع التونسي خصوصاً، وشريحة اجتماعية متابعة عربياً على صعيد أعمّ، وإذا كنّا قرأنا كثيراً عن طقوس التعذيب الجسدي والنفسي التي تصل إلى ما يتجاوز "الخيال الإجرامي" في راوياتٍ وشهادات سابقة، فإنّ سامي، بواقعيته وموضوعيته ووطنيته ومنهجيته المعروفة الهادئة، عصف قلوبنا وعقولنا مرّة أخرى، ووضعنا أمام الرواية المسكوت عنها في العالم العربي، ذلك الواقع الذي نحاول جميعاً أن ننساه لما يحدث "الآن، هنا"، على حدّ تعبير عبد الرحمن منيف.
تحدّث سامي عن التعذيب الجسدي، واختصره لاحقاً بكلماتٍ معبّرةٍ واضحةٍ بأنّ كل ما سمعتم عنه حدث معهم، حتى أن ما حدث في سجن أبو غريب وقع وأكثر منه، وذكر الإهانة الجسدية والنفسية والتعرية والتحرّش والتعذيب الجنسي والجسدي والنفسي. وركّز على ثلاثة أحداث مؤلمة، الأولى في محاضرة ألقاها أمامهم أستاذ جامعي عن حقوق الإنسان في عهد زين العابدين، وكانوا في مرحلة التأهيل في السجن، لإخراج "التطرّف" من رؤوسهم، على حد وصفه (ساخراً بالطبع)، في ذكرى الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، 10 ديسمبر/ كانون الأول. وعند نهاية المحاضرة، قال له سامي: يا ريت فقط لو تكلم مسؤول السجن لو يخففوا التعذيب عنا، فكان نصيبه في يوم الإعلان العالمي لحقوق الإنسان تعذيباً شديداً بسبب هذه الكلمة، وصفه بدقة، في شهادته المؤلمة. والحادثة الثانية مرتبطة بموعد الانتخابات التشريعية،

"أحدثت شهادة سامي براهم أمام هيئة الحقيقة والكرامة، التونسية، أخيراً، صدىً واسعاً وكبيراً على صعيد المجتمع التونسي خصوصاً، وشريحة اجتماعية متابعة عربياً على صعيد أعمّ"

فأخرجوا من الزنازين، وتمّت تعريتهم وتعذيبهم جنسياً وجسدياً، وأغمي عليه، وقام لاحقاً الطبيب بتعذيبه بطريقته الخاصة. الحادثة الثالثة عن فتى صغير، ليس مرتبطاً بالسجن السياسي، إنما بشغب كرة قدم، تمّ انتهاك عرضه من آخرين بتواطؤ مدير السجن ومعرفته، ولم يستطع براهم ومجموعته حماية الفتى، بعدما نُقل إلى زنزانة أخرى.
الرواية مليئة بالقصص والأسئلة المحزنة والمؤلمة، وصاغها براهم بطريقةٍ معبّرة مؤثرة، يمكن الرجوع إليها عبر موقع "يوتيوب". لكن المفارقة المدهشة هي التي أشار إليها هو نفسه في حجم التفاعل والاهتمام الجماهيري في شهادته، وآلاف ردود الفعل التي تلقّاها، ما أثار استغرابه، فيما إذا كان الناس جاهلين مغيّبين إلى هذه الدرجة عمّا كان يدور في سجون الاستبداد، وما يزال في دول عربيةٍ كثيرة، من انتهاك فظيع لكرامة الإنسان وحقوقه، أو على حدّ تعبير الأديب السوري ممدوح عدوان في كتابه "حيونة الإنسان".
ولا تتوقف حيونة الإنسان، كما يشير إليها عدوان، عند حدود تعذيب السجناء والإصرار على إذلالهم نفسياً وامتهان كراماتهم، بالسبل كافة، وإخراجهم معاتيه وغير أسوياء صحياً، كما يصف براهم، ويذكر أسماء أشخاص حدث معهم ذلك بسبب السجن، بل حيونة المعذّبين (بكسر الذال)، وما يصلون إليه من مرحلةٍ نفسيةٍ سادية مريضة، فيحترفون التعذيب غير الآدمي والعنيف، ويتفننون في الإيذاء والامتهان، فيتحولون هم إلى ما يشبه "الحيوانات"، عندما يفقدون إنسانيتهم!
يتساءل براهم على صفحته في "فيسبوك" عن سبب الضجة الهائلة التي حدثت بعد شهادته "هل إلى هذه الدرجة لا يعرف التونسيون ما حدث في الحقب السوداء من تاريخ البلد؟ هل إلى هذا الحد أحدثت لديهم شهادتي المفاجأة؟ كانت شهادتي مجرّد قوس صغير، أريد أن يغلق لأستأنف حياتي ونشاطي بشكل عادي، لم أحرص فيها على إلهاب المشاعر، أو تهييج الضّغائن، أو التشهير بالأشخاص أو استحضار التفاصيل الأكثر إيلاماً".
وهو، بالفعل، سؤال يدعو إلى الحيرة والدهشة، على الرغم من أنّ هناك روايات عديدة، وشهادات سابقة كثيرة عن التعذيب في السجون المصرية والسورية والتونسية، والأنظمة الشمولية، وحتى الأنظمة الملكية بدرجة أقلّ، بما لا يصدّقه عقل، ولا يصل إلى تصوّره إنسان سليم، شيء بالفعل أشبه بالخيال. وربما قرأ كثيرون رواية "القوقعة" لمؤلفها مصطفى خليفة، أو حتى رواية عبدالله مكسور "عائد إلى حلب"، عن السجون السورية، ومأخوذة من قصص واقعية، على الرغم من ذلك كله، فإنّ الجمهور العريض العربي يفاجئه وجود مثل هذا الجحيم الكارثي في بلادنا.
هذا الجمهور العريض المتفاجئ محيّر فعلاً، صحيح أنّ الإعلام العربي يغيّب هذه القضايا، ولا يقترب منها، بل يمارس التضليل والتزييف في أوقاتٍ كثيرة. لكنّ من المعروف في التاريخ أنّ أغلب الحركات المتطرفة والمتشددة ولدت من رحم السجون والقمع والتعذيب الذي يحدث فيها، وهي نوع من النتائج الكارثية التي تحدث عنها سامي في شهادته، فالتشوّه لا يحدث فقط في الجسم أو النفسية المحطّمة، بل حتى في العقل المحطّم الذي يسعى إلى الانتقام من الجلادين والدولة التي يشعر بأنّها أصبحت عدواً له.

"ليست فقط تجربة السجون المريرة هي "الحلقة المعتمة" التي لا يريد أحد إضاءتها، فشطر كبير من الواقع العربي اليوم مماثلٌ، وأشد بلاءً من جحيمها"

ليست فقط تجربة السجون المريرة هي "الحلقة المعتمة" التي لا يريد أحد إضاءتها، فشطر كبير من الواقع العربي اليوم مماثلٌ، وأشد بلاءً من جحيم السجون، فهنالك ما يحدث في مصر من تصفياتٍ مباشرةٍ واعتقالاتٍ على الشبهة، وتعذيب منهجي وزجّ آلاف المهنيين والمواطنين في السجون. وفي سورية تدمير المنازل على رؤوس الناس، وملايين في مخيمات اللاجئين، وواقع لا إنساني مريع، وفي العراق قتل على الهوية واغتصاب وتعذيب وانتقامات متبادلة.
وفي تقرير نشر في صحيفة الغد الأردنية، أخيراً، عن حالة مخيم الركبان في الأردن، والذي يضم قرابة 75 ألف لاجئ سوري، أغلبهم من الأطفال والنساء، صورة لا تصدّق عما يحدث لهؤلاء الذين تخلى العالم بأسره عنهم، فأصبحوا يتشاجرون على كمية الماء المحدودة المتوفرة للشرب، وهدفهم الأساسي البقاء على قيد الحياة، في ظل عدم وجود أيٍّ من أنواع الخدمات والبنية التحتية والرعاية الصحية، في صحراء قاحلة على الحدود الأردنية - السورية.
ما تزال قصة السجون المظلمة أحد معالم السياسة العربية "الفاخرة"، لكنها لم تعد وحيدةً، فهنالك مخيمات اللجوء والحروب الأهلية والقصف بالقنابل الحارقة، وتدمير كل شيء في سورية، وهناك جيل جديد يولد في اليمن، يعاني ثلثاه من مشكلاتٍ حقيقية في النمو، بسبب نقص الغذاء والدواء، ثم هنالك من تفاجئه شهادة صديقنا سامي براهم.
يصف سامي شهادته بأنّها "شاهد شاف حاجة"، وأدلى بها، باعتبارها طقساً من طقوس العبور، وطيّ صفحة تلك المرحلة، ليدخل في سلم ذاتي بعد ذلك، ويتخلص قليلاً من وحش "الذاكرة المرعبة". لكن، لنتذكر أنّ طقوس المخيمات والتعذيب والتهجير والتدمير ما تزال سائدة في دول عربية كثيرة. وهنالك طقوس الحصار الذي وصفه الفلسطيني، عبدالله الخطيب، بجدارة في مقالاته المطولة، من مخيم اليرموك بـ"قواعد الحصار الأربعون".
(كاتب أردني)