كي لا "ينتصر الفساد"!

ذهب النواب بالاتجاه الصحيح عندما وقعوا على عريضة بالأمس لتحويل قضايا الفساد التي يتورط فيها موظفون إلى "هيئة مكافحة الفساد"، بل أعتقد أنّه لا يجوز استثناء الوزراء السابقين والحاليين من ذلك، فالقضاء اليوم مخول بالنظر في مختلف القضايا، حتى تلك التي تتضمن وزراء سابقين.

في الوقت نفسه يدفع النواب بإقرار قانون "من أين لك هذا؟"، وهو تشريع يمكّن الهيئة من مداخل كبيرة لمحاسبة المسؤولين السابقين والمتنفذين عن مصادر ثرواتهم التي أقلقت الرأي العام وأزعجته، بدلاً من الإرهاق والتعب الشديد في متابعة الدقائق التفصيلية في ملفات معقّدة، ربما لا يترك الفاسدون فيها وراءهم أدلة، فتستطيع الدولة بهذا القانون ملاحقة ومحاسبة أغلب المسؤولين السابقين، الذين أثروا من وراء الوظيفة العامة.

هذه الخطوات تساعد على الخروح من الحالة الراهنة؛ إذ يبدو الرأي العام اليوم مرتبكاً مع قصص عدم التكفيل من ثم التكفيل للمشتبه بفسادهم، وقبل ذلك في المصير المجهول لموضوعات كبرى، مثل ملف موارد، وملفات أخرى شبيهة مرتبطة بقطاع الاتصالات والخصخصة، وأراضي الديسه ووزراء عامين حالياً في الحكومة، وغيرها من ملفات ما تزال غامضة للرأي العام.

ثم جاءت استقالة عبد الرزاق بني هاني من هيئة مكافحة الفساد لتؤكد المخاوف الشعبية من عدم الشفافية والوضوح في هذه الملفات، بخاصة بعد أن كشف مصدر لـ"الغد بأن مسؤولاً سابقاً قام بإحراق أوراق ملف التحول الاقتصادي والاجتماعي، وتشير معلومات جديدة أن حجم الأموال في ملفات الفساد التي تنظر فيها اللجنة يصل إلى 5 بلايين دينار أردني!

ما هو أخطر من ذلك أنّ "الزفة"، التي رافقت عمليات تحويل "المشتبهين" بالفساد، انقلبت رأساً على عقب في اليوم التالي، فبدأنا نرى الآلاف يتقاطرون مهنئين من تمّ تكفيلهم بهذه القضايا أو أنهوا مدتهم أو يناصرون من لا يزالون في السجون، وسواء اتخذ ذلك بعداً اجتماعياً أو شعوراً بالإجحاف بحق هؤلاء وبوجود انتقائية أو تصفية حسابات، فإنّ المحصلة أنّ الصالح يذهب بعروة الطالح"، وتختلط الأوراق البيضاء بالسوداء والصفراء!

نرجو ألا تكون هذه الفوضى مقصودة بذاتها، وكأنّنا في "حرب الكل ضد الكل"، إذ يجرى "إغراق" المشهد السياسي والإعلامي بعدد كبير من القصص، والزج بأسماء عديدة من دون توافر الأدلة والبيانات، ما يؤدي – في نهاية اليوم- إلى "انتصار الفساد" وتبرئة ساحته، بسبب النقص والضعف في القدرات والكفاءات.

الخروج من الفوضى ليس لـ"لملمة الملف"، بل لتنظيم التعامل معه يكمن بأن يؤخذ الفساد حزمةً واحدةً، سواء من خلال التشريعات أو الإجراءات المختلفة، وبإحالته إلى جهة واحدة متخصصة، مثل هيئة مكافحة الفساد، تمنح صلاحيات الإدعاء، ويتم تزويدها بقدرات فنية وقانونية وقضائية محترفة، كي تتمكن من القيام بعملها، وتساهم في تطوير القوانين والتشريعات المطلوبة.

النجاح في تنظيم ملف الفساد والتخلص منه دفعة واحدة عبر إحالته إلى الجهة المختصة وتمكينها من الأدوات اللازمة، وإقناع الرأي العام بمصداقية الدولة كل ذلك مرهون بطبيعة الشخصية التي يمكن أن تمسك بالملف وتمتلك الشرعية والاحترام والاعتراف من الجميع بالنزاهة والجدية والقدرة، وهو ما يجعل من كلمة هذه الهيئة معتبرة ومحل تقدير لدى الجميع، سواء في تبرءة أشخاص أو إدانة آخرين.

هذا الحل ليس بهذه السهولة، إذ أنّ ملفات الفساد متشابكة ومعقّدة، كما يؤكد مسؤول رفيع، إنّما على الأقل نستطيع بمثل هذه الخطوة الحدّ كثيراً من اللغط والجدل والقلق الشعبي الكبير وإلقاء هذه الكرة الملتهبة من حضن النظام السياسي بأسره!