أنا سلفي: أو صورة السلفي عن نفسه

محمد عمر- مدونة محمد عمرi am salafi

 

يهتم الكتاب الاخير للباحث الدكتور محمد ابو رمان "انا سلفي" في تحليل الهوّيات وتعبيراتها عند "الجماعات" السلفية في الاردن، التي يقسمها في ثلاث: السلفية التقليدية، الحركية والجهادية.
"سوسيولوجية الهوية"، اداة التحليل في الكتاب كما افهمها او كما فهمتها: هي البناء الاجتماعي للهوية بوصفها هويات غير ثابتة، متحولة حسب السياقات، تمثل رديفا للانتماء الى فئة اجتماعية معينة وتماثل الهوية كعملية تكيف للفرد داخل المجموعة من جهة، وعملية تمايز يتميز او يميز بها الفرد نفسه عن الاخرين متخلقا بصفات خاصة به، محاولا التاثير في محيطه الاجتماعي.
 
 
انطلاقا من هذه الاداة، ومستعينا بمقابلات مع عينات "مقصودة" من "التيارات" السلفية الثلاث اضافة الى مقابلتين مع "عابرين" من السلفية الى العلمانية والاسلام اليساري، و 33 استمارة بحث، يحاول كتاب ابو رمان البحث في "صورة السلفي عن نفسه"، لكن الكتاب سينتهي برسم صورة للسلفي، كما يراها او يحللها الباحث.
 
يلعب الدين دورا فاعلا في تكوين هوية "السلفي" بوصفه اهم عناصر "روح المجموعة" والانتماء الى المتحد. لكن هذا العامل تشترك في "جماعات" اخرى كالاخوان وجماعة التبليغ، فبماذا تتميز هوية السلفي او " صراع التصانيف".
 
يتجند السلفي ويتأثر بدور المسجد وابناء الحي وبعض الشيوخ كطريق للتعرف على السلفية. يتوقف انخراط السلفي في المجموعة على الدور الحيوي للمشايخ عند التقليديين من خلال طلب العلم وعلى رحلات الحج والعمرة، بينما نجد الاشرطة والمعسكرات الصيفية والفضائيات الدينية تلعب دورا اكبر في انخراط الحركيين، فيما اللقاءات المنزلية لها الدور الاكبر في انخراط السلفي عند الجهاديين".
 
يتفق السلفييون، سيسيا، على تعريف الدولة الاسلامية، هي التي تحكم بشرع الله، يضيف بعض الحركيين اليها الالتزام بمعايير العدالة والنزاهة، والجهاديين اعلانها الجهاد والنفير العام.
 
ينقسم السلفيون في الموقف من العمل السياسي ، الحزبي، البرلماني ومفاهيم الديمقراطية وحقوق الانسان. التقلديون والجهاديون يميلون غالبا لرفض العمل السياسي. والحراكيون منقسمون تجاه هذا العمل وان كان بعضهم يقبل به بشروط.
 
يتفق السلفيون على رفض الاختلاط بين الرجل والمرأة، مع وجود اقلية تقبل به بشروط.
 
لا يستمع السلفي للموسيقى والغناء، ويحرمون لعب الورق وكرة القدم والشطرنج، مع وجود اقلية محدودة تتقبل كرة القدم وبدرجة اقل الشطرنج وبشروط ايضا.
 
يرى بعض السلفيين ان اطلاق اللحية واجب، وبعضهم يراها سنة، ويتفقون على ضرورة التزام المرأة باللباس الشرعي ويختلفون على تغطية والوجه واليدين.
 
يكاد السلفي لا يشاهد التلفزيون، خاصة الافلام والمسلسلات، مع ان بعضهم وخاصة التقليديين يشاهدون الفضائيات الدينية، وبعض الحركيين يشاهدون الاخبار والبرامج الحوارية.
يحرم السلفي مشاركة المسيحيين اعيادهم الدينية، ويختلفون في الموقف من الصداقة والتحية والمشاركة في الانشطة الاجتماعية.
 
تتباين مواقف افراد وحتى الجماعات السلفية الثلاث في السياسية. يختلفون في تطبيق الشريعة يرى الجهاديون ضرورة تطبيقها فورا، والحراكيون منقسمون بين تطبيق على المدى القريب والبعيد والتقليديين مع مفهوم "التربية والتصفية"، تربية المجتمع على الاسلام وتصفيته من الشرك.
 
السلفي، ككل، شخص "متدين، ملتزم، طقوسي، في الاغلب يهتم بالمظاهر الدينية والظاهرة او الشكلية". وهذه "محاولة" للبحث عن النقاء الديني.
 
يمنح السلفي النصوص الدينية، القرآن والحديث، والفتاوى الشرعية درجة اكبر من الاهمية مقارنة بغيرهم من التيارات الاسلامية الاخرى.
 
تطبيق الشريعة الاسلامية احد اهم "تماثلات" الهوية، بغض النظر عن الخلاف على الحكام والسياسيين. وترتبط الشخصية السلفية بالتراث والخبرة الاسلامية، اي العودة الى عصر الصحابة والتابعين والفقهاء والعلماء المسلمين السابقين.
 
شخصية السلفي مرتبكة، عموما، خاصة ازاء التعامل مع الواقع الراهن والعمل السياسي. ومرتبكة في ترتيب اولوياتها الاساسية.
 
 
هذه "التماثلات" التي تكون "هوية" السلفي العابرة للجماعات الثلاث، لكن هناك "تمايزات" بينها. فشخصية السلفي التقليدي تتسم بالبساطة والحسم وتعطي النصوص والفتاوى مرتبة عليا، وتضع العقل في مرتبة ثانوية. شخصبة "محافظة تنفيذية".
 
الجهادية شخصية حدّية في خطابها ومواقفها وسلوكها الاجتماعي، الدين مطلق، وهي في حالة صدام دائم مع المحيط الاجتماعي. ولذلك فالجماعة "الجهادية" تتسم بالتظافر فيما بينها واقامة علاقة وطيدة بين افرادها. وهي دائمة التطلع الى الخارج الى المشاركة في الجهاد في الساحات الخارجية.
 
الشخصية الحركية، تبدو كهوية او شخصية انتقالية، غير مستقرة، فهي على حد تعبير الباحث ابو رمان شخصية اقل وضوحا، اكثر ارتباكا وقلقا من التقليديين والجهاديين. ارتباكها هذا ناتج عن "تذبذب" مواقفها من العمل السياسي ومن مفاهيم الديمقراطية وحقوق الانسان..الخ.
 
الهوية السلفية او "هوية البدايات" تعاني "ازمة"، هي في المجمل "رد فعل" والية" للدفاع عن "الذات" في مواجهة العولمة والتحديات الخارجية، كانها تعيش معاناة "جرح الهوية النرجسي". تنظر للاخر بوصفه مهددا لهوية الذات لا بوصفه "مماثلا". وهي "انطواء على الذات" ليست مرتبطة بجذور نفسية محضة تعود للطفولة او التاريخ الشخصي وحسب، بل لها ايضا اطار اجتماعي واسباب موضوعية في التاريخ متمثلة في الخسارات المادية واضطرابات في العلاقات وبتغيير الذاتية.
 
السلفية : رد فعل على مرحلة صعبة تمر بها المجتمعات وتمثل "تصدعا في التوازن بين مكونات متباينة". لكن هذا ليس حكما على السلفية بوصفها تفاعل خاطيء مع الظروف والتحديات، فالسلفية ليست كتلة صماء، بل هي في "حراك" دائم وتحولات ولا يمكن فصلها عن الشروط الواقعية المحيطة بهاو الازمة الراهنة هي محاولة لفهم الحالة السلفية بوصقها طريقا في البحث عن الذات والهوية وسط هذا الواقع المتخم بالتحديات والاسئلة.
 
حاولت سابقا، ان اعرض لاهم ما فهمته من الكتاب، متجبنا التكرار، وكان ما يهمني اساسا هو ما اراد الكتاب ان يصل اليه رسم او تحديد "هوية السلفي" او صورة السلفي عن نفسه"، طالما الكتاب عنوانه "انا سلفي"، او انني تصورت بان مجال بحث الكتاب هو هذا.
في النهاية هوية السلفي هي صورة متخيلة، هوية متخيلة عن الذات، لكن اليست كل هوية هي "متخيلة" ؟.
 
جيت بوقتك...
 
يأتي كتاب ابو رمان في وقته، حيث "ظاهرة التسلف"، باتت الشغل الشاغل للناس، وهي حالة قوية قائمة ومنتشرة في المجتمعات العربية، وليست مستحدثة ولا غزوا دينيا لمجتمعاتنا وثقافتنا، بل تيار عريض له تراثه الفقهي والفكري والدعوي، وهي حالة ايضا بدأت او اثرت على احزاب وحركات دينية قائمة منذ عقود مثل الاخوان الذين نحو الى "التسلف".
 
الكتاب، والحال هذه، رغم بعض التكرار او التشابه مع كتب اخرى للباحث، الا انه كتاب مهم جدا وخاصة للقاريء العادي، فهو احاطة تكاد تكون شبه شاملة بالحالة السلفية في الاردن ويساعد القاريء في فهم هذه الظاهرة التي رغم انتشارها لا تزال ملتبسة في ذهن القاريء.
 
واعتقد ان الفهم الافضل للظاهرة السلفية قد يساعد في التخفيف من "فوبيا السلفية" او الزينوفوبيا، التي اخذت تسيطر على عقول البعض.
 
في الواقع، الكتاب رغم المقابلات القصدية، حرم القاريء من فرصة لـ"تخيل" اوالمساهمة في رسم هوية السلفي او كيف يرى السلفي نفسه بشكل اكثر وضوحا اذ ان الكاتب، وللاسف، لم يضع نص المقابلات كما هي لا في المتن ولا في الهوامش، مما كان سوف يمنح القاريء فرصة افضل لـ"تخيل" هوية السلفي او صورة عن نفسه، بل عمل في المقابلات تحريرا بلغة الكاتب والكاتب.
 
الامر الاخر، لم نر في الكتاب اي مقابلة مع "سلفيات"، كما انه لم يقل لنا فيما اذا الاستمارات شملت اناث ام لا، خاصة وان الدراسات تؤكد ان "السلفية" والتدين منتشر اكثر بين النساء، فانعكاس الخطاب الذكوري على النساء واليات اعادة انتاجه اعلى منه لدى الذكور ضمن اليات اعادة انتاج الهيمنة الذكورية، بحسب قول بورديو، والصاق صفة التدين يكسب الفتاة اعتبارا ذاتيا – مجتمعيا. ونحن نرى اليوم مدى انتشار هذا "الفكر" السلفي بين النساء، وكذلك مدى مساهمة المرأة ودورها في "القتال" مع "داعش" او "النصرة"، او في اعادة انتاج السلفية وفي ترسيخ الصورة النمطية ايضا.
 
كان يحتاج الكتاب لجهد اكبر في التحرير ليس لتجنب التكرار مع ما ورد في كتب الباحث ابو رمان السابقة، بل في تجنب التكرار الكثير في الكتاب نفسه. وكذلك في ضبط اكثر لبعض المفاهيم، او في تنسيق بعض الفقرات، فالقاريء شعر بان بعض فقرات الكتاب كتبت في وقت سابق ثم اضيفت للكتاب بدون "تجديد".
 
 
كنت اتمنى او ان الباحث، او ربما في بحث اخر، يعطي جهدا اكبر في تحليل الامكنة التي تحدث عنها مثل الرصيفة وحي نزال والبقعة وغيرها، كامكنة "هوياتية" او منتجة لهويات، لالقاء مزيد من الضوء حول دور العوامل الاجتماعية والاقتصادية والجهوية في انتاج الحالة السلفية.
 
ع فكرة في علاقة بين كلمة "انا سلفي" العربية هذه التي اختارها الباحث عنوانا للكتاب وكلمة selfie الانكليزية التي انتشرت على شبكات التواصل الاجتماعية كـ"صورة للذات" في تحولاتها، او كما يرغب الفرد بان يُرى من الاخرين :)؟؟؟؟