إرهاب "مكافحة الإرهاب"!

15 14

محمد أبو رمان

أعلنت محكمة استئناف أميركية أمس الأربعاء أن مسؤولين أمنيين انتهكوا حقوق سجناء سابقين اعتقلوا بعد هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001، وذلك لأنهم عرب أو مسلمون أو لتصنيفهم على هذا الأساس. وقالت المحكمة إن من حق أولئك السجناء مقاضاة هؤلاء المسؤولين.

صدر هذا القرار عن محكمة الاستئناف الأميركية، وبرّر القاضيان روزماري بولر وريتشارد ويسلي القرار (من 109 صفحات) بأنّه "لا يوجد غرض شرعي للحكومة في احتجاز أحد في أكثر ظروف الحبس المتاحة تقييدا، لا لشيء إلا لأنه تصادف أنه أو -وهو الأسوأ- كان يبدو أنه عربي أو مسلم".

بالطبع لك أن تقارن مثل هذا القرار المهم بالأحكام التي جرت مؤخراً في مصر على قيادات الإخوان المسلمين، وبديباجة قرار القاضي التي جاء نصّها ليؤكّد على الطبيعة الفاشلة التوتاليتارية السافرة، ولإلغاء أي استقلالية لأي قضاء أو إعلام أو مؤسسات أخرى، فيصبح الجميع يدور في فلك السلطة العسكرية والحكم المفرد.

أعرف أنّ كثيراً منكم سيقولون بأنّ أميركا هي من أكبر الدول التي تمارس التعذيب غير القانوني والقتل في الحروب بذرائع مكافحة الإرهاب، وهذا صحيح، لكنّ ما نتحدث عنه هنا تحديداً ليست السياسات الأميركية الرسمية، بل شيء أخر تماماً اسمه فصل السلطات أو التوازن بينها، والقدرة على النقد والمواجهة وتصحيح المسار، ووجود مؤسسات وسلطات أخرى تقول لا ضد الخطأ ولا يتم اتهامها بالخيانة والتآمر.

من اللافت أنّه قبل صدور قرار المحكمة بيوم، صوت مجلس الشيوخ الأميركي بأغلبية ساحقة على حظر استخدام التعذيب في تصويت تاريخي يهدف إلى منع أي استخدام آخر "لأساليب الاستجواب القاسية" مع المعتقلين، ويحوّل أمرا تنفيذيا وقعه الرئيس باراك أوباما عام 2009 إلى قانون.

ما نتحدث عنه هنا، بالإضافة إلى القضاء المستقل هو الإعلام المستقبل، بوصفه سلطة رقابية مهمة، وربما ذلك يذكرنا بأحد أهم الأفلام الوثائقية الأميركية، عن الحرب على الإرهاب، للصحافي الأميركي المحقق جيرمي سكاهيل Jeremy Scahill  بعنوان "حروب قذرة" Dirty Wars، وهو فيلم يفضح الانتهاكات الأميركية لحقوق الإنسان والخروج على القانون في إطار ما يسمى الحرب على الإرهاب، وخصخصة الحروب، ودور الشركات الأمنية.

الفيلم يكشف من خلال ساحات أفغانستان واليمن والصومال كيف أنّ هذه الحروب هي التي تنتج الخصوم الجدد، الذين يريدون أن ينتقموا من الولايات المتحدة الأميركية.

من الأفلام المهمة، التي تكشف الانتهاكات الأميركية في حقبة الحرب على الإرهاب، فيلم "تسليم خارج القانون" Rendition، ويحكي قصة مواطن أميركي من أصل مصري، تشك فيه المخابرات المركزية الأميركية، ويتم تسليمه للمخابرات المغاربية، ثم تبدأ بعدها فصول التعذيب والاضطهاد، بمشاركة وإشراف أميركي غير مباشر، للتحايل على القانون.

هذه الأفلام تعرض في العالم وفي الولايات المتحدة الأميركية، ولا يتم منعها أو مصادرتها وتخوين أبطالها ومؤلفيها، بل وحصل فيلم حروب قذرة على جوائز عالمية مهمة. بينما إلى الآن ولمدة عامين يعاقب الممثل خالد أبو النجا من منع عرض أي عمل له (لا علاقة له بالسياسة) بسبب موقفه من العسكر، بينما تعاقب بسمة الممثلة المصرية المشهورة بمنع أعمالها (عقاباً لزوجها عمرو حمزاوي على مواقفه)، وكذلك الحال مع بلال فضل "أهل اسكندرية" بسبب مواقفه.

يعلّق بلال فضل على فيلم "حروب قذرة" بالقول " أريد أن أعيش في بلد حتى لو ارتكب ساسته الشر، يكون من حقي كمواطن أن أقاوم هذا الشر باستخدام حريتي في التعبير والرفض دون أن يتمّ قتلي في حادث غامض أو الزجّ بي في السجن..".