الحل الإسلامي في الأردن: الإسلاميون والدولة ورهانات الديمقراطية والأمن

خالد وليد محمودIslam

يمكن وصف الدراسة التي نعرض إليها هنا بأنها محاولة اقتراب ثقافي وسياسي من الظاهرة الإسلامية في الأردن، ورصد التحولات الكبرى التي يقف على أعتابها أبرز الفاعلين في المشهد الذين يمتازون بقدر من الإشكالية والسجال حول رؤيتهم الأيديولوجية أو مساراتهم الحركية، وهم: جماعة الإخوان المسلمين، السلفيون (بالوجهين: التقليدي، الراديكالي) وحزب التحرير الإسلامي.

يتتبع كتاب “الحل الإسلامي في الأردن: الإسلاميون والدولة ورهانات الديمقراطية والأمن“، الصادر بشراكة بين مركز الدراسات الاستراتيجية بالجامعة الأردنية ومؤسسة فريدريش إيبرت الألمانية في عمان عام 2012، لمؤلفيه محمد أبو رمان وحسن أبو هنية، الحركات والجماعات الإسلامية وموقعها في المشهد السياسي الأردني والاختلافات المفصلية التي بينها ورصد بروزها وتطورها وما يثار حولها وما تطرحه من “حلول” للأسئلة السياسية والاجتماعية في الأردن.

وتركز بشكل أساسي على تتبع الأبعاد الكامنة وراء تراجع قوة جماعة الإخوان المسلمين في الشارع الأردني، ومتغيرات الدور السياسي لها وعلاقاتها بالدولة، وعلاقة الجماعة بالمجتمع من جهة أخرى، وذلك في إطار دراسة مجمل التطورات والتحولات التي عصفت داخل الجماعة سواء على مستوى الخطاب الأيديولوجي والممارسة، ورصد مراحل تطور علاقتها بالدولة وديناميكية عملها الاجتماعي والسياسي.

يضم الكتاب المكوّن من (456) صفحة، ثمانية فصول رئيسة، تبحث في السياسات الدينية وسؤال العلاقة بين الدين والدولة في محاولة لاستنطاق البيئة التشريعية والسياسية المحيطة بالإسلاميين التي ترسم الملامح المشكلة للحقل الديني عموما، وهو حقل حيوي وأساسي في دراسة طبيعة العلاقة بين الإسلاميين والدولة والمجتمع.

وإذا كان الكتاب يتجاوز أحزاب وحركات إسلامية أخرى مبررا ذلك بأن سياسة الدولة تجاهها لا تحتاج إلى تفصيل أو توضيح كما هو الحال مع جماعة الدعوة والتبليغ والزوايا الصوفية التقليدية ومثل حركة الطباعيات الاجتماعية التي لا تشتبك مع السياسات الرسمية مباشرة؛ فإنني بهذه المراجعة سأتناول تطور علاقة جماعة الإخوان المسلمين وحزبها جبهة العمل الإسلامي بمؤسسة الحكم، كون الجماعة والجبهة هما الوحيدان اللذان يتبنيان رسميا العمل السياسي المشروع والعلني المعارض، وكون الجماعة تشكل أكبر حزب معارض في الأردن وتحظى بشعبية في الشارع الأردني، لا بل إن جماعة الإخوان المسلمين تمثل الحزب الإسلامي الوحيد الذي يملك نشاطا سياسيا مشروعا ودورا سياسيا كبيرا ضمن قوى المعارضة، وهذا الأمر لا ينطبق على الجماعات الأخرى التي تطرق إليها الكتاب وهي السلفية وحزب التحرير، وسنشير لذلك في السطور القادمة.

الدولة والإخوان: من التوظيف إلى التحجيم

يرصد المؤلف التجربة وتحولات الخطاب، وعلاقة الإخوان بالجماعات والتيارات الأخرى في الأردن، في محاولة لتأريخ علاقة الإخوان المسلمين بمؤسسة الحكم والتي مرت بمراحل متعددة تمثلت في حالة مضطردة من الصعود، بدءا بالتعايش السلمي ثم وصلت حد الالتقاء والتحالف ضد مصادر مشتركة وبلغا مرحلة متطورة عندما استعانت مؤسسة الحكم بالإسلاميين ليحلّوا محل المنظمات والقوى والفلسطينية بعد عام 1970. ويتتبع الكتاب تاريخ العلاقة بالإشارة إلى الملاذ الآمن الذي وجده “الإخوان” في نظام الحكم الأردني في وقت كانوا يخوضون فيه صراعات دموية وسياسية وجودية مع النظام الناصري في مصر وسورية والعراق. وكانت الإعدامات والاعتقالات تطال قواد الجماعة.

ثم تطورت العلاقة بين الدولة والإخوان مع انفجار أحداث أيلول 1970 بين الجيش الأردني والمنظمات الفلسطينية اليسارية؛ إذ وقفت الجماعة على الحياد في الصراع العسكري بل ودعمت النظام سياسيا ورمزيا. وقد كافأ النظام جماعة الإخوان بمنحهم مساحة واسعة من العمل والنشاط والانتشار، لكن إرهاصات التحول في سياسة الدولة تجاه الجماعة بدأت فعليا منذ منتصف الثمانينيات وظهرت بصورة واضحة مع بداية التسعينيات بعد أن كشفت عودة الحياة النيابية عام 1989 عن قوة الإخوان السياسية في الشارع. ووقتها، حدثت الاستدارة الرسمية مع الإخوان وبدأت الدولة بتطبيق سياسات تحجيم الجماعة وإضعاف نفوذها في البرلمان والجماعات والمساجد وإعادة هيكلة قوتها السياسية وسحب البساط الاجتماعي من تحت قدميها من خلال ضرب بنيتها التحتية في العمل التطوعي والخيري.

إذن، بدأت العلاقة بالانحدار المتعرج منذ منتصف الثمانينيات وصولا لمرحلة الافتراق خلال تسعينيات القرن الماضي وصولا لمرحلة تسلم الملك عبد الله الثاني الحكم عام 1999 لغاية اليوم، لتبدو هذه العلاقة مرتبكة سواء في المشاركة والأزمات كباقي الأحزاب السياسية. أما في عام 2007، فانعكس رصيد الاحتقان وتجذرت فجوة الثقة بين الطرفين من خلال تدخل الدولة في الانتخابات البلدية والنيابية ضد الجماعة، وهو ما دفع إلى تعزيز خطاب التيار المتشدد داخل الجماعة. وهو الأمر الذي حدا بالجماعة لمقاطعة الانتخابات النيابية 2010 و2013.

تحولات بنيّوية وأزمة مفتوحة

يفرد الكتاب محورا للحديث عن أبرز وأهم العوامل التي لعبت دورا أساسيا في رسم صيغة علاقة الملك الجديد عبد الله الثاني بجماعة الإخوان المسلمين، ويقول (ص 75): “إن مرحلة انتقال الحكم، والخلفية غير السياسية للملك الشاب، هي التي دفعت إلى منح “الأجهزة الأمنية” (المخابرات العامة) الدور الرئيس في إدارة تفاصيل الأن الداخلي، مما نقل “ملف الإخوان” من ملف سياسي يتولاه الملك شخصيا إلى ملف أمني بيد الموظفين المسؤولين. وقد أدى ذلك إلى توتير العلاقة بين الطرفين ودفع إلى إغلاق كبير في قنوات الحوار والالتقاء والتفاهم على خلاف ما كان يحصل في العد السابق“.

يرجّح المؤلف أن إخراج قادة حركة حماس من الأردن عام 1999 كان بمثابة التحول الاستراتيجي الذي ألقى بظلال ثقيلة على علاقة القصر بالإخوان. أما التحول الآخر، فكان مع احتلال العراق الذي بدأت معه مرحلة إقليمية وداخلية جديدة في سياق تحول الدور الأمريكي في المنطقة باتجاه تعزيز مسار الإصلاح السياسي والاقتصادي.

المناخ الجديد هذا فرض نفسه على العلاقة بين الإخوان المسلمين ومؤسسة الحكم وعاد الإخوان إلى المشاركة في الحياة النيابية عام 2003 وحصدوا 17 مقعدا. وبدت الملامح العامة وقتذاك للعلاقة بين المؤسسة الرسمية والإخوان تتجه إلى نوع من التهدئة والكمون في الأزمة، أي وقف في النزيف المستمر في العلاقة بين الطرفين، وذلك على الرغم من اتساع الفجوة بين مواقفهما السياسية داخليا وإقليميا.

لكن فوز حركة حماس الكاسح في الانتخابات التشريعية الفلسطينية في أوائل عام 2006، كان بمثابة تحول آخر مهم ومما فجّر سؤالا حول العلاقة والنوايا المتبادلة بين الإخوان ومؤسسة الحكم؛ إذ تم اعتقال أربعة نواب زاروا بيت عزاء زعيم تنظيم القاعدة في العراق أبي مصعب الزرقاوي والحكم على نائبين منهم بالسجن إلى عام ونصف (قبل صدور عفو ملكي)، وهذا التطور أزم العلاقة بين الطرفين.

ويبقى التحولان الأخيران اللذان يعتبران أحد محكات العلاقة الرئيسة كانا مع مجيء زكي بني أرشيد أمينا عاما لجبهة العمل الإسلامي في آذار 2006، وقد واجه اختياره رفضا حكوميا ورسائل تحذير شديد اللهجة، بذريعة علاقته بحماس، وهو ما ينفيه بني أرشيد بالضرورة. والتحول الآخر كان بوضع الحكومة يدها على “جمعية المركز الإسلامي” التابعة لجماعة الإخوان المسلمين، بذريعة وجود “فساد مالي وإداري” داخل الجمعية. لكن الأبعاد السياسية كانت واضحة، فالنظام كان يرى بأن الجمعية تمثل مصدرا أساسيا لقوة الإخوان الماليّة، ومصدرا حيويا للتجنيد الحركي واكتساب القاعدة الجماهيرية.

لقد بلغت مستويات الأزمة ذروتها بين الإخوان والنظام، من خلال اتهامات متبادلة كانت الانتخابات البلدية عام 2007م، أبرز نقاط الاختلاف والنزاع، فقد سحب الإخوان مرشحيهم بعد ساعات من بدء الاقتراع، احتجاجا على ما اعتبره الإخوان “تزويرا تجاوز الحدود”، بلغ ذروته مع “تصويت أفرادٍ من القوات المسلحة بصورةٍ علنيّة، أما المؤسسة الرسمية فقد باتت تنظر إلى الإخوان كخطرٍ حقيقيٍّ على الاستقرار السياسي يشبه الظاهرة “الخمينية”، بل إن الرواية الرسمية بدأت تعتبر الإخوان دولة داخل الدولة، وتضعهم في سياق المحور الإيراني السوري، وقد تعززت هذه الرؤية عقب سيطرة حماس على قطاع غزة، واتهام حماس باختراق جماعة الإخوان في الأردن.

وشكلت النتائج المتواضعة لجماعة الإخوان المسلمين في الأردن, والتي حصلت عليها في الانتخابات النّيابية الأخيرة بتاريخ 20 تشرين الثاني 2007، صدمة كبيرة لمعظم المراقبين والمحللين, فقد جاءت نتائج الانتخابات مفاجئة حتى لأولئك الذين كانوا يعتقدون أن شعبيّة الجماعة في تراجع؛ إذ لم تصل أكثر التقديرات تشاؤما إلى أفق توقع حصول الجماعة على 6 مقاعد من مجموع 110 من مقاعد مجلس النواب الأردني، إلا أن شبهة تزوير الانتخابات بددت كثيرا من الشكوك، وجاءت مقاطعة الإخوان للانتخابات الأخيرة تعبيرا عن مستوى مرتفع من عدم الثقة والشكوك في علاقتها بالنظام.

وراء الأكمة ما وراءها

ثمة فرضيات رئيسة تفسر أسباب التصعيد الكبير في الأزمة ووصولها إلى حافة الهاوية بين الطرفين: فمؤسسة الحكم تقول إن الجماعة تغيرت وإنها لم تعد ترضى بالدور السياسي المحدود السابق، وباتت تطالب بأن تكون شريكا في عملية صنع القرار، وهو ما يزعج مؤسسة الحكم ويدفعها إلى الخوف من الطموح السياسي للجماعة. بالمقابل، ترى الجماعة أنّ مؤسسة الحكم قد تغيّرت نظرتها للجماعة ولم تعد تشعر بالحاجة إليها.

هنا يسأل الكاتب من الذي تغيّر؟ الجماعة أم مؤسسة الحكم؟

هذا السؤال كان مدار سجال سياسي وإعلامي بين الطرفين، يجب المؤلف بأن الذي تغيّر فعلا هي الظروف السياسية والتاريخية التي حكمت العلاقة بين الطرفين وأدت خلال المراحل السابقة إلى بناء حالة من التعايش -وفي أوقات التحالف التاريخي- في مواجهة خصوم مشتركين في الداخل والخارج. ويقصد بالخصوم التاريخيين من قوميين ويساريين ومنظمات فلسطينية ضعفوا وتحولوا إلى قوى ثانوية محدودة التأثير في الشارع، ولم يعد لها ما تشكله من تهديد أو مصالح مشتركة كما كانت في المراحل السابقة.

ومن ناحية ثانية، يرى المؤلف أن مسافة الاختلاف والافتراق بين مؤسسة الحكم والإخوان أصبحت أكبر من القواسم المشتركة، سيما فيما يتعلق بمعاهدة السلام أو من سياسات الاصلاح الهيكلي وبرنامج صندوق النقد الدولي. ومن ناحية ثالثة، أصبح الإخوان القوة الفعلية الشعبية الرئيسة التي تمتلك فرصة التأثير على الرأي العام، ما دفع بالتيار الأمني داخل مؤسسة الحكم إلى التنبيه لخطورة قوة الجماعة الصاعدة بصورة ملموسة.

خصوصية “النموذج الأردني” وترويض “المارد الإسلامي”

يخلص الكتاب في الخاتمة إلى أنّ خصوصية “النموذج الأردني” في العلاقة بين الدولة والإسلاميين تتبدّى في جانبين أساسيين:

  • الجانب الأول من خلال سياسات الدولة الدينية التي تمسك العصا من المنتصف، فلا هي بالعلمانية المعادية للدين ولا هي بالإسلامية الثورية، إنّما أقرب إلى “العلمانية المحافظة”.
  • الجانب الثاني، ما تتبنّاه أغلب هذه الحركات من قناعات بعدم أهلية الأردن ليكون “دولة إسلامية”، بالمعنى الأيديولوجي، نظرا لمحدودية الموارد والموقع الجيواستراتيجي، ما يجعل من خيار التعايش مع الدولة والقبول بحلول وسطى أمرا أكثر احتمالا لدى غالبية هذه الحركات، حتى تلك الراديكالية، مثل السلفية الجهادية، فقد انتهى بها المطاف اليوم إلى إعلان استعدادها لمبادرة لوقف العمل المسلّح، وذهب بعض أبنائها إلى الدعوة لتشكيل جمعيات أو أحزاب سياسية، أي مؤسسات مدنية وسياسية طالما رفض هذا التيار الاعتراف بمشروعيتها.

يستنتج الباحثان أنّ “الرهان” النموذجي هو الإيمان بمبدأ “التعايش” بين الدولة والإسلاميين، بمختلف ألوانهم الأيديولوجية والسياسية، وهو ما قد يقود إلى تكريس الثقافة الجديدة التي تؤمن بالتعددية وبحق الاختلاف والتباين بين المكونات الاجتماعية والسياسية المتباينة في المجتمع. بينما تبقى جماعة الإخوان اليوم، برأي المؤلفين، الأقرب ضمن خريطة الإسلاميين لتكون لاعبا رئيسا في المشهد السياسي المقبل، وهي عمليا تمثّل حزب المعارضة الرئيس في البلاد، بينما تبقى الأسئلة حول مدى التطور الذي يمكن أن تصل إليه طروحات الجماعة ما تزال مثال نقاش وجدال، بين من يرى أن هنالك إمكانية لأن تكون قريبة من نموذج حزب العدالة والتنمية التركي، ومن يرى أن الإسلام السياسي العربي غير قادر على إحداث مثل هذه الديمقراطية.

ويجادل المؤلفان أبو رمان وأبو هنيّة في خاتمة الكتاب بأنّ “ترويض” المارد الإسلامي الأردني سيكون بالرهانات الديمقراطية والسياسية أكثر نجاحا وإنجازا فيما لو اتبعت الدولة الرهان الأمني وخيار المواجهة، الذي وصلت دول عربية أخرى إلى أقصى مداه، فكانت النتيجة تعزيز التوجهات الإسلامية الأكثر راديكالية وتطرفا، وتجذيرها في المجتمع، بل وانكماش المجتمع نفسه ليكون أكثر محافظة وتقوقعا وارتباكا تجاه الحداثة وقيمها.

الرهان الأمني والإقصائي

ثمة اعتقاد أن ما تحتاج إليه الدول العربية في العصر الجديد، هو أن تمنح “الإسلام السياسي” فرصة أفضل للمشاركة والحياة في ظروف طبيعية، فربما يؤدي ذلك إلى مزيد من الانفتاح والتطوير لخطاب هذه الحركات ومواقفها السياسية والفكرية ورؤيتها الاجتماعية، وهو ما قد يقود إلى “معادلة جديدة” على مستوى أعلى من ذلك تتعلّق بـ”الوصفة السحرية” للعلاقة بين الدين والمجتمع والدولة في العالم العربي والإسلامي، هذه العلاقة التي تحوّلت إلى معضلة أمام خطاب علماني محاط بالهلع من فكرة الدولة الدينية وخطاب إسلامي حركي مضاد مسكون بالشكوك تجاه الأفكار الحداثية والتجديدية.

ويذهب أبو رمان وأبو هنيّة في هذه المحاججة إلى أنّ الرهان الأمني والإقصائي قد استنفد مداه، وجاء بنتائج سلبية في أغلب الدول العربية، ما يجعل من اختبار الرهان الديمقراطي وخيارات التعايش بين الإسلاميين والدولة والعمل على الوصول إلى “وصفة” مختلفة عن الوصفات التي جرّبت أمرا يستحق الاهتمام خلال المرحلة القادمة، بخاصة أنّ ما يحدث في الدول العربية الأخرى أثبت أنّ الإسلاميين هم اليوم الرقم الصعب في الشارع العربي.

ما يؤخذ على هذا الكتاب -وهذا اعتراف أيضا من المؤلفين- وهو أن المصادر التي اعتمد عليها الكتاب بدرجة رئيسة كانت تقتضي منهم العودة بصورة كبيرة لشبكة الإنترنت لمعرفة رواية ورؤية هذه التيارات، إذ لا تتوافر لديها دائما إمكانية النشر ضمن الصحف اليومية وتحاصر روايتها السياسية للأحداث، وكان الاعتماد على المصادر الإلكترونية -الإنترنت- يواجه عدم استقرار واحتمالات تلف الأرشيف وضياعه، وهذا ما حدث مع هذه الدراسة؛ إذ تفاجأ الباحثان بعد الدراسة باختفاء أو عدم صلاحية روابط تم الاعتماد عليها في هوامش الدراسة.

لقد صدر الكتاب في سبتمبر 2012 بمعنى أن ثمة مياها كثيرة جرت بعد ذلك فيما يتعلق خاصة بجماعة الإخوان المسلمين، سواء على صعيد الانتخابات البرلمانية التي قاطعتها الجماعة، أو على صعيد علاقتها مع حركة حماس، كما لم يتناول المؤلفان بشيء من التفصيل والتحليل التطورات التصعيدية التي طرأت على علاقة الجماعة بالحكومة الأردنية بالتزامن مع انبلاج الربيع العربي في الدول الأخرى.

وربما كان بحاجة لوضع عدد من السيناريوهات التي تتعلق بمستقبل الجماعة بعد مآلات الربيع العربي وتحديدا الوضع في سوريا في ما إذا كان سينتهي إلى حالة شبيهة بمصر وتونس وبالتالي صعود للإخوان، أم إلى سيناريوهات أخرى ستحدد وترسم طبيعة العلاقة بين الدولة والجماعة.

وظني أن كثيرا من أطروحات الكتاب لامست ورصدت الحركات والجماعات الإسلامية وموقعها في المشهد الأردني والاختلافات المفصلية العامة فيما بينها بشكل موسع وما يثار حولها، ورصد بروز تطورها واقتحام السجالات والجدالات السياسي والفكرية داخلها لنصل إلى نتيجة وهي أن جماعة الإخوان المسلمين تمرّ حاليا في مخاض فكري وسياسي، يقع في جوهره في إطار إعادة تعريف الجماعة لهويتها ودورها ومهمتها، وأجندتها وأولوياتها، وموقفها من القضايا الحيوية والملفات الأساسية في الدولة والمجتمع.