"خراب بيوت"!

 بعد "غزوة القصير" (!) بثّت وكالات الأنباء والفضائيات صوراً لعناصر حزب الله اللبناني، وهم يصعدون على أحد المساجد في المدينة، ويضعون لافتةً كبيرة، كُتِب عليها "يا حسين"، في استبطانٍ مقلق جداً، لكنّه واقعي، للعقيدة الحقيقية التي حرّكت أبناء الحزب نحو القصير وسوريا، وهي الدوافع العاطفية العُصابية ذاتها التي حرّكت مجموعات شيعية من حزب الله العراقي وقوات بدر، ومن دول أخرى للقتال إلى جانب النظام السوري بعيداً عن دعاوى حسن نصر الله المتهافتة!

في الأوّل من أمس نقلت وسائل الإعلام ذاتها صوراً ومقاطع فيديو لمقاتلين من السلفيين إلى جوار جثث مقاتلين من الشيعة، وهم يشتمونهم، ويقولون هذا "مصير الروافض"! تصوّروا أناس يرفعون لافتات الحسين، ويعتقدون أنّهم يدافعون عن "مقام زينب"، ضد النواصب، والطرف الآخر يعلن أنّ المعركة عقائدية مع الشيعة والعلويين والروافض، وتصعد مجموعات متشدّدة في المشهد السوري تختزل الإسلام في "إقامة الحدود"، أي الجلد والإعدام وقطع الأيدي، في تسطيح لأهداف الدين وقيمه ومقاصده الشرعية.

المشهد السوري قلب المنطقة بأسرها "رأساً على عقب"، فالقلق اليوم عاد على الأوضاع في العراق من أن تنجرف مرّة أخرى نحو الفوضى والنزاع الطائفي، والقتل على الهوية وقطع الرؤوس، ولبنان يهتزّ على وقع التدخل الفجّ لحزب الله في سوريا، والمخاوف ترتفع وتيرتها في الخليج العربي من تكريس الطائفية، بعد أن اعتبرت هذه الدول حزب الله "منظّمة إرهابية"، ويمكن رؤية الظلال القاتمة للمشهد السوري بصورة سافرة في الاستقطاب الطائفي في الكويت والبحرين والسعودية.

المصيبة الكبرى أنّ هذه الآفة الطائفية واللغة العصابية المنغلقة المأزومة أصبحت هي السائدة في الأوساط العلمية والفقهية والفكرية العربية، سواء في جامعة الأزهر أو في تصريحات الشيخ يوسف القرضاوي الخطرة حول الصراع السنّي- الشيعي، أو في المقابل حول الخرافات التي يتحدث فيها علماء شيعة عن القتال في سوريا والمقامات الدينية!

الدين هو رأس مال اجتماعي مهم، في حياة الشعوب والمجتمعات والأمم، لكنّ الفيصل في دور الدين أمران: الأول هو كيف نفهم الدين؟ والثاني وهو الأكثر إشكالية كيف نوظّف الدين في السياق السياسي؟.. على صعيد تفسير الإسلام وفهمه فإنّ الفهم العام الدارج، الذي تعزّزه المعاهد العلمية الدينية نفسها، عموماً، إلاّ من رحم ربي، هو تسطيح الإسلام واختزاله في كتب الاختلافات العقائدية والتراث والفقه، في الأحكام الفقهية والعبادات والفتاوى اليومية، في الروح التعبوية التنفيذية، لا في أفق الاجتهاد والإبداع والانفتاح، ما يحدث هو تمسّك بالرسوم والصور على حساب المقاصد والغايات والقيم السلوكية العليا التي جاء القرآن، في الأصل، لتكريسها والحث عليها!

أمّا على صعيد الاستثمار والتوظيف، فحدّث ولا حرج، سواء من قبل الأنظمة أم من قبل المعارضة، وذروة هذه اللعبة الخطرة تتبدّى اليوم في إرهاصات "الحرب الطائفية"، التي تشتعل في بعض الدول العربية، بينما روحها تعمّ العالم العربي والإسلامي!

بيت القصيد أنّنا نخطئ في الدخول إلى بوابة الدين الصحيحة، في الدنيا والآخرة، فما يحدث هذه الأيام هو خراب بيوت في الدنيا والآخرة في آنٍ واحد، لأنّنا نهدم منازلنا بأيدينا ونقتل أنفسنا ونستحل دماءنا ونكفّر بعضنا، فهل هنالك أسوأ من هذه الصورة، أليست هذه الصورة هي التي ذكرها القرآن في سياق ضلال الأمم السابقة وتيهها وانحرافها، من ثم هلاكها!