عن مؤتمر "سرّ الجاذبية: الدعاية والتجنيد لدى داعش"

122

محمد أبو رمان

عبر مجموعة من الأوراق والأبحاث المهمة، تناقش خبراء وباحثون عرب وغربيون في العاصمة عمان (في منتصف الشهر الجاري) حول الأسباب الكامنة وراء قوة داعش، بوصفه تنظيمًا أو تيارًا، وانتشاره السريع خلال الأعوام الأخيرة، في مؤتمر حمل عنوان “سرّ الجاذبية: الدعاية والتجنيد لدى داعش”، بترتيب من مؤسسة فريدريش أيبرت في عمان.

المتحاورون قدّموا أوراقًا تتحدث عن “دراسة حالة” للعديد من الدول عن مؤيدي داعش وأنصارها، أو من التحقوا بها في كل من العراق وسوريا؛ فكانت هنالك جلسات تناولت الحالتين العراقية والسورية، ثم الأردنية واللبنانية والسعودية والتونسية، والحالات الأوروبية.

السؤال المفتاح الذي توجّه به معدّو المؤتمر إلى الباحثين هو عن السرّ أو اللغز الكامن في قدرة مثل هذا التنظيم -بما يحمله من أيديولوجيا دينية متشددة وعنيفة وسلوك دموي ظهر عبر الأفلام الدموية القاسية التي يبثها- على اجتذاب آلاف الشباب العرب من العالم العربي، بالإضافة للمقيمين في الغرب، والمتحولين دينيًا، فضلًا عن قدرته غير المسبوقة على اجتذاب النساء والفتيات من أوربا والعالم العربي.

الإشكالية التي تطرّق لها الباحثون والخبراء تتمثّل في أنّه من المفترض أنّ هذه الصورة المتوحّشة للتنظيم، التي يقدمها عن نفسه، من المفترض أن تكون عاملًا منفّرًا للشباب والفئات المختلفة، بخاصة من الطبقات الوسطى والمتعلمين والذين يعيشون في الغرب؛ إلاّ أنّ ما يحدث العكس بالنسبة لشريحة من هؤلاء الشباب؛ إذ تجاوزت قدرة التنظيم على الدعاية والتجنيد أضعافًا كبيرة أي تنظيم أو تيار آخر، حتى تنظيم القاعدة نفسه.

في الحالتين العراقية والسورية، برزت الأزمة السنية بوصفها العامل الأول والأكثر أهمية في قدرة التنظيم على اجتذاب السنة للقتال في صفوفه، وإن كانت الحالة العراقية، كما قدّمها عثمان المختار، اتّسمت بقدر أكبر من التزاوج مع أيديولوجيا التنظيم؛ بصفته البديل الوحيد المتاح للسنة خارج العملية السياسية التي فشلت في إدماجهم. بينما في الحالة السورية، كما عرضها حسّان الصفدي، ما يزال تغلغل التنظيم أقل؛ لوجود فصائل سنية أخرى قوية تنازع التنظيم في شرعية من يمثّل السوريين السنّة، ولارتباط التنظيم أكثر بالحالة العراقية؛ لذلك انتشار التنظيم في سوريا، إذا تم استثناء الرقة وبعض التجمعات الرئيسة، هو في الأرياف والمناطق التي لا يوجد فيها كثافة سكانية كبيرة.

 في كلا الحالتين، السورية والعراقية، وبالتزاوج مع الأزمة السنية والشعور بالتهديد بدرجة غير مسبوقة؛ برز خطر النفوذ الإيراني والقوى الموالية العسكرية الموالية لطهران، والشعور السني بغياب العمق الاستراتيجي العربي، والقلق من الحوار “الأمريكي- الإيراني”، بوصفها عوامل مهمة عززت من دعاية التنظيم وقدرته على التجنيد والتعبئة.

بالطبع الحالتان العراقية والسورية تتميزان عن غيرهما ببروز الصراع الطائفي، وتفكك الأطر السلطوية للدولة، وتحول أراضي تلك الدول لساحة مفتوحة للصراعات الإقليمية والدولية والحروب بالوكالة؛ ما قد يفسّر صعود التنظيم الذي يستند إلى خطاب هويّاتي طائفي يتماهى مع حالة الفوضى والصراعات التي توظّف هذا البعد نفسه. لكن، ما الذي يجذب آلاف الشباب إلى التنظيم من دول أخرى لا تعيش الصراع الطائفي نفسه؟

تعددت أجوبة الخبراء على هذه التساؤلات، بحسب الدولة والمجتمع المدروس؛ فلكل دولة هنالك عامل أكثر تأثيرًا من العوامل الأخرى؛ ففي الحالة السعودية، قارن عبد الله المالكي بين السردية التاريخية التي أسست للدولة السعودية الثانية وبين نشوء داعش وصعودها الراهن، مع التأكيد على سذاجة الربط الأوتوماتيكي السطحي المباشر بين الوهّابية وجاذبية التنظيم وانتمائه إلى المدرسة التاريخية والفكرية نفسها.

في الحالتين الأردنية واللبنانية، استعرض كل من وائل البتيري وبيسان الشيخ العوامل والأسباب التي تدفع بالشباب إلى أحضان هذا التنظيم، من خلال دراسة حالات متعددة لشباب اندمجوا فيه أو تبنوا هذا الفكر، وتمّ التركيز هنا على أهمية ما يحدث في سوريا في التأثير على شريحة اجتماعية واسعة جراء التداخل الاجتماعي والجغرافي والدور الذي تلعبه الأزمة السياسية في دفع الشباب إلى خيارات راديكالية.

أما في أوروبا، فقدّم باحثون وخبراء غربيون رؤيتهم لدور الإنترنت والدعاية السياسية والإعلامية العميقة لداعش في جذب الشباب، الذي يعاني من حالة فراغ روحي وفكري، مع إشكاليات أخرى من فشل إدماج الشباب العربي والمسلم في المجتمعات الغربية.

الزميل حسن أبو هنية كان قد قدّم إطارًا مفيدًا يتشكّل من ستة أسباب وعوامل رئيسة في تفسير هذا الصعود، لخّصه في مقالته الأخيرة المنشورة في صحيفة التقرير بعنوان “صعود الدولة الإسلامية: علل وأسباب“، وتتمثّل هذه الأسباب في: فشل الدولة القطرية، بروز النزعة الطائفية، رمزية الخلافة الإسلامية، مناهضة الإمبريالية الغربية، الثورة الاتصالية وشبكات التواصل الاجتماعي، الثورات المضادة للربيع العربي.

ذلك الإطار يمتاز بالشمولية والدقّة، وأتفقُ معه تمامًا كما أشرتُ عبر ورقتي في المؤتمر نفسه. لكن، لو أردنا أن نرتّب الأسباب السابقة في سياق متسق، أو من حيث الأهمية والتسلسل التاريخي؛ فإنّنا سنجد أنّ العامل الرئيس والأساسي هو فشل الدولة القطرية العربية، أو بعبارة أدق: انتهاء فعاليتها التاريخية، وتبدد أعمدة شرعيتها، التي تشكّلت خلال الحرب الباردة في مرحلة “ما بعد الحرب العالمية الثانية”؛ مع نهاية الحرب الباردة لم يعد هنالك مصادر شرعية لهذه الأنظمة، ثم مع أحداث 11 سبتمبر بدأت الأزمات الداخلية تطفو على السطح؛ ما انعكس على علاقاتها مع العالم الغربي والولايات المتحدة الأمريكية، وهزّ بقوة “المقايضة التاريخية” بين الطرفين (أي الغرب والأنظمة الأوتوقراطية)، والتي تقوم على معادلة المصالح والأمن بدلًا من الديمقراطية والاستقلال.

الدولة العربية فشلت تنمويًا وثقافيًا، لكن الأهم برأيي أنّها فشلت سياسيًا في بناء شرعية دستورية قانونية عبر مسار ديمقراطي شعبي؛ فلم تنجح في إدماج المجتمع في اللعبة السياسية، ولا إقناع الشباب بالمؤسسات التمثيلية الانتخابية، سواء البرلمان أو البلديات أو الجامعات أو حتى النقابات والاتحادات المختلفة، ولا بأنّها تحت سيف المحاسبة والرقابة والمساءلة؛ فتفشّت القناعة بأنّ هذه الأنظمة وصلت إلى مرحلة من الاستبداد والفساد والإقطاع السياسي والتوريث في المصالح بين فئة محدودة مع استبعاد الشريحة الاجتماعية الواسعة من الكعكة الاقتصادية والسياسية.

على النقيض من ذلك، انتشرت في الأعوام الماضية مشاعر اليأس والإحباط وغياب العدالة وإغلاق الأفق السلمي في التغيير السياسي، والشعور بالإقصاء والتهميش وعدم الإدماج بأبعاده السياسية والاقتصادية.

 كانت “حجيّة الشرعية” التالية التي أمسكت بها الأنظمة العربية هي إما القبول بالاستبداد أو الفوضى والإرهاب، ونجحت هذه المعادلة جزئيًا مع الحرب على الإرهاب وصعود نجم القاعدة في العالم، وخصوصًا بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، ولم تأت المراجعات الأمريكية بعد تلك الأحداث بنتيجة تذكر، بالرغم من أنّ أصواتًا بدأت تتحدث عن خطورة دعم الولايات المتحدة والغرب لهذه الأنظمة؛ إذ أصبحت تصدّر الإرهاب إلى الغرب. لكن، تورط إدارة المحافظين الجدد في الحربين الأفغانية والعراقية، وفشلهما في إنهاء الحرب وتقديم نماذج بديلة؛ انتهى لصالح القاعدة والتطرف والطائفية والأنظمة السلطوية.

ثم أتت لحظة الثورات الديمقراطية العربية، بصورة مفاجئة على الأقل، لما كان يدور على السطح السياسي، وانفجر الاحتقان وتنفّس الغضب وفُتح الباب مرّة أخرى لـ “مخرج” من المسار المتدهور في المنطقة؛ فحدثت التغييرات السلمية في مصر وتونس، وتعثّرت تلك الحركات سلميًا في ليبيا وسوريا واليمن؛ بسبب تخاذل الغرب والتقاطعات الدولية والإقليمية، إلى أن تشكلت لاحقًا الاستراتيجية العربية المحافظة في تبني الثورة المضادة والإطاحة بحكم مرسي عبر دعم الانقلاب العسكري في مصر، والعمل على احتواء التغييرات في المنطقة.

الثورة المضادة، التي ترافقت مع ما أسماه الدكتور عمرو حمزاوي “ربيع السلطويات العربية”، انعكست على العودة مرّة أخرى للشعور بالإحباط والاحتقان، في ظل انهيار النظام الإقليمي العربي وبروز إيران المتلازمة مع النزعة الطائفية، وإغلاق البوابة الديمقراطية السلمية في التغيير؛ كل ذلك انعكس عبر ولادة قناعة واسعة لدى جيل عريض من الشباب العربي، وتحديدًا الإسلامي، بأنّ السلمية والديمقراطية لا يأتيان بنتائج حقيقية في ظل المعادلات الدولية والإقليمية، وهو الأمر الذي تزامن مع عودة داعش إلى البروز والصعود وتبنيها خطابًا واضحًا صريحًا في الدولة الإسلامية واستخدام القوة والهجوم على الأنظمة العربية والغرب، والأهم من ذلك أنّ سلوكها الواقعي يحرّكه الانتقام من كل الخصوم، إيران، النظام السوري، الميليشيات الشيعية، حزب الله، الأنظمة العربية، الغرب؛ فكل هؤلاء بالنسبة لشريحة واسعة عريضة من السوريين والعراقيين السنة ومن المجتمعات العربية هم بمثابة كتلة واحدة أو جبهة واحدة، لا يمكن أن يقارعها إلا وحش مفترس يؤمن بلغة القوة والثأر والمواجهة والسلاح!

هذه الثيمة، أي القوة والانتقام، شكّلت الركيزة الأساسية في الخطاب السياسي والدعاية الإعلامية لداعش؛ ما ساعدها على الجذب والاستقطاب في ظروف داخلية وإقليمية ودولية مواتية!