لا تخذلوهم

يا له من مشهد مذهل تاريخي لتلك الجموع الغفيرة بالآلاف، تخرج في شوارع المدن السورية، تهتف بصوت موحد مرتفع "على الجنة رايحين شهداء بالملايين"، "هي لله هي لله لا للسلطة ولا للجاه". هي شعارات وهتافات تعكس وعياً سياسياً شعبياً، استثنائياً، غير مسبوق، بأنّه لا بديل اليوم عن الحرية السياسية كقيمة بحد ذاتها، لا يملك الإنسان أن ينزل أو يتنازل عنها، مهما كانت الكلفة حتى لو وصلت إلى ملايين الشهداء، وسجون وتعذيب، فلم يعد أحد من هذه الجموع الشعبية الكبيرة يفرّق بين الحق في الحرية والحق في الحياة!

بغير هذا الوعي الجديد المتسلّح بإيمان مطلق، لا يمكن لنا أن نفهم هذا الشلال المتدفق من التضحيات الإنسانية التي قدّمها الشعب السوري الأبي خلال خمسة أشهر من المواجهة اليومية مع نظام، ليس له أي نصيب من القيم الإنسانية، ولا أمل حقيقيا بإصلاحه، فكان الحل الوحيد أن يمضي الشعب بهذا الطريق القاسي جداً، وأن يدفع ثمنه المرير من دمه وأبنائه وأطفاله وشيوخه!

خمسة أشهر من المعاناة الفائقة والتحمل المذهل لما لا يتحمله بشر، في مواجهة صمت مجلل بالعار من المجتمع الدولي والعالم العربي، بل وتزيين وتهريج من نخب بائسة لهذه المذابح المروعة، والمسيرات والمظاهرات والاعتصامات والتضحيات مستمرة ومتواصلة، بلا توقف.

 ما قدّمه الشعب السوري إلى اليوم هو –بذاته- نموذج جديد في الثورة العالمية، غير مسبوق، حتى مع الثورتين التونسية والمصرية، فهنالك كان الجيش حاضراً ليمنع النظام من "الإبادة"، وثمة إعلام عمل بسرعة وقوة وكان موجوداً ما منع الانفراد بالعزل والمدنيين. وفي ليبيا؛ اتخذت الثورة طابعاً مسلّحاً وحظيت بدعم عربي وغربي، ولولا ذلك لأبادهم القذافي.

وفي اليمن حمت الانقسامات وتوازنات القوى الشعب من إبادة شبيهة بسورية. في كل الثورات العربية دفعت الشعوب ثمن حريتها، وكرامتها، وقدمت المطلوب منها لإنجاز ثورتها.

ولمن لا يعرف تماماً أو ليس معنياً بصورة رئيسة، فإنّ في مصر وتونس واليمن وليبيا اليوم آلاف العائلات التي فقدت أبناءها وشبابها، وفي هذه البلاد آلاف الشباب، في عمر الورود، فقدوا أطرافهم وأبصارهم ونالوا قسطاً كبيراً من العذاب الجسدي والنفسي. أمّا في سورية، فالكلفة مضاعفة جداً، وهي أعلى من الدول العربية الأخرى.

وبالرغم من الإبادة الهمجية، فإنّ الثورة مستمرة ومتواصلة، وتصرّ على الطابع السلمي، ولا تحظى بدعم لوجستي خارجي، وتعاني من الحصار الإعلامي والسياسي، فهي –بالفعل- نموذج تجاوز الثورات الأخرى في مستوى التضحية والمعاناة والألم.

الشعب السوري اليوم يناضل من أجل أن يدخل الزمن الديمقراطي، ويدفع أغلى ما يملكه الإنسان، أبناءه وروحه وماله، فقط من أجل حريته وكرامته وإنسانيته، حتى أصبح مشهداً يومياً أن نرى الأب يودع ابنه ذا السنوات المعدودة، أو أماً تبكي أمام أبنائها الشباب، أو زوجة فقدت زوجها، أو آلاف المعتقلين الذين يتعرضون للإهانات والتعذيب الوحشي الهمجي.

في مواجهة هذا الصمود البطولي ضد الإبادة، لا نملك إلاّ أن نقدّم له اليوم دعماً معنوياً ورمزياً، بمسيرات واعتصامات ومقالات، وهو ما سنقوم به اليوم الجمعة في إحياء ليلة 27 رمضان أمام السفارة السورية. فموقفنا، صوتنا ضميرنا جميعاً لا بد أن يكون حاضرا في الحدّ الأدنى، مع هذا الشعب الذي أعطى، وما يزال، كثيراً؛ فلا يجوز أن نخذلهم.