ماذا يقرأ الأردنيون؟

 

ربما السؤال الأصحّ هو لماذا لا يقرأ الأردنيون؟! فبالرغم من تدنى نسبة العالم العربي عموماً من القراءة إذ يصل معدل القراءة لدى الإنسان العربي ربع صفحة سنوياً، بينما الأميركي 11 والبريطاني 7، إلاّ أنّه حتى داخل هذه النسبة الهزيلة فإنّ الأردنيين ليسوا من المجتمعات العربية الأكثر قراءة! 

الأرقام والإحصائيات عموماً مكئبة، بخاصة عندما نقارن أنفسنا مع "العدو الاستراتيجي"- إسرائيل لنكتشف أنّ "الفجوة" ليست عسكرية فقط، بل معرفية وثقافية وعلمية، ففي الوقت الذي يترجم فيه فقط 330 سنوياً في العالم العربي بأسره، فإنّ إسرائيل وحدها تترجم إلى العبرية (وهي لغة ميّتة) قرابة 15000! 

لسنا بحاجة إلى إثباتات وحجج دامغة على "محنة" أو بعبارة أدق- فضيحة القراءة في العالم العربي، فأرقم الترجمة والنشر ومعدلات البحث العلمي تنطق كفراً بذلك الإعراض الفاجر، وهو ما ينعكس ليس فقط على الحالة المعرفية أو العلمية والتخلف العربي في هذا المجال، بل حتى على الثقافة الاجتماعية والبنية السياسية وضمور العلاقات المدنية في العالم العربي وتراجع التعليم والإدارة والأزمات الخانقة، فكيف نتصوّر أن نتقدّم خطوة واحدة للأمام بلا معرفة ولا علم في القرن الحادي والعشرين! 

لا نملك القفز عن هذه الحقائق المروّعة في العالم العربي ونحن نعيش لحظة تاريخية مفصلية، فتنتفض الشعوب طلباً للحرية والديمقراطية والكرامة، فلن تستطيع المجتمعات الحفاظ على ثورتها وحمايتها من الاختطاف وتطويرها إن لم ترسّخ المؤسسات المدنية والقانونية، ومثل هذه المؤسسات لا تنتعش إلاّ في مجتمعات تحترم المعرفة والثقافة والأفكار ولديها القدرة على تطوير نفسها وحلّ مشكلاتها، فالعلاقة عضوية بين الديمقراطية والثقافة والمعرفة.

بلا شك، فإنّ السياسات الرسمية العربية هي المسؤول أولاً وأخيراً عن هذا التدهور المرعب في مستوى القراءة والمعرفة والثقافة في العالم العربي، فقد غلّبت الشعارات والدعايات والأبعاد السياسية والأمنية على الجانب الثقافي والمعرفي في حياة الشعوب، بل كان يتندر كبار القوم في الأردن على أنّ موازنة الشوارع والطرق في الأردن كانت تساوي أضعاف موازنة التربية والتعليم، فهل هنالك دمار أكبر من ذلك؟!

هذا الواقع المرير ينبغي أن نستدعيه ونحن نحتفل اليوم بعام جديد من موسم "القراءة للجميع" أو مكتبة الأسرة، وهو الذي بدأ بالأمس، وشمل عشرات العناوين المتنوعة للكتب المدعومة أو شبه المجّانية، وهو عناوين رائعة تبدأ من التاريخ السياسي الأردني إلى أمهات الكتب الفلسفة والسياسية وصولاً إلى الأدب المحلي والعالمي وكتب الأطفال، وبمستوى من الطباعة الجيّد، مقارنةً بالكتب الشعبية الأخرى. 

ربما لا أكون متجنيّاً إن قلت أنّ هذا المشروع "مكتبة الأسرة" من أهم المشروعات الوطنية التي يجب أن تتوسع وتحظى باهتمام رسمي أكبر، وتلقى دعماً إعلامياً في المحافظات والمدن، فهي بحق إنجاز كبير وعظيم يذكر لصاحب هذه الفكرة، د. عادل الطويسي أنّه جعله واقعاً مشهوداً.

المجتمع الأردني يمتاز، عموماً، بمستوى عال من الثقافة، لكن الشفهية، أكثر من المكتوبة والمقروءة، فبالرغم من النسبة المعقولة من استخدام الانترنت والتكنولوجيا الحديثة، إلاّ أنّ الاهتمام بالبحث العلمي الحقيقي والقراءة والمعرفة العلمية ما يزال هشّاً وضعيفاً، وتجد ذلك مع هزالة النشر العلمي وبؤس البحث العلمي لدينا، فمجتمعنا أقرب إلى مجتمع حكواتي، يعتمد على ثقافة السماع، وليس القراءة، ويستهلك المعرفة ولا ينتجها، ويعاني من ضمور في الإبداع المعرفي والعلمي.

الإصلاح لا يحدث في الفضاء، فلا بد له من تربة خصبة، وهذه التربة هي المعرفة والتعليم والقراءة، فهي المهمة الغائبة عن اهتمام الجميع!