من يسمع!

من المقرر أن يعتصم يوم الأحد أهالي معتقلي التيار السلفي الجهادي احتجاجاً على ظروف المحاكمة الحالية، التي تجري في سجن الموقر الصحراوي، والأوضاع اللا إنسانية وغير القانونية التي تحيط بهذه القضية، أمام محكمة أمن الدولة.

ما نأمله أن يكون هنالك من يسمع داخل الدولة لهذه النداءات الأخلاقية من الأهالي، فما يحدث بحق أبنائهم سابقة في تاريخ البلاد، وتسيء للقانون والقضاء والدولة قبل أي شيء، إذ تمّ الزج بقرابة مائة وخمسين فرداً في هذه القضية، بدعوى الاعتداء على رجال الأمن في مسيرة الزرقاء، وأغلب هؤلاء لم يمس رجل أمن، فإما أنه كان يدافع عن نفسه ضد بلطجية مأجورين أو يفك الاشتباك أو في بيته لم يذهب أصلاً إلى تلك المسيرة!

الانتقام من التيار هو عنوان هذه القضية، بعد أن كسر أتباعه الجدار الأمني وتحركوا في الفضاء السياسي والإعلامي بحرية لأول مرة، واستثمروا موجات الربيع الديمقراطي العربي، إلى أن حدث "فخ الزرقاء"، وتورطوا بالاشتباك مع الأمن والبلطجية.

للمرة المليون، لا أحد يقبل أن تمتد أي يد على رجل الأمن، فهو لدينا خط أحمر، ويدافع عن أمننا واستقرارنا، ونرفض أي مساس به، ونطالب بأن تتم معاقبة من اعتدوا فعلاً وقصداً على رجال الأمن، وفق القانون وتحت سقف العدالة، لكن لا يجوز أن تستغل هذه الحادثة لأخذ الجميع بجريرة البعض، وفرصة للانتقام من أبناء التيار حتى ممن كانوا يدفعون بخطابه نحو ناصية العمل السلمي ورفض العنف والعمل المسلح!

ما تمّ من إجراءات إلى اليوم في هذه القضية، ابتداءً من الاعتقالات بطريقة وحشية غير مبررة وانتهاءً بزنازين انفرادية، ومحاكمة في سجن صحراوي، كل ذلك يعد انتهاكاً صارخاً كبيراً مفضوحاً غير مقبول لحقوق الإنسان والقانون وقيم الدولة الأردنية وتقاليدها.

هذا من ناحية قانونية وقضائية. أما من الناحية السياسية؛ فإنّ ما يحدث يمثل صدمةً كبيرة. إذ أنّ هذا الموقف المتصلب والشرس الرسمي جاء بعد إعلان التيار عن رفضه العمل المسلح والقبول بالعمل السلمي، والقيام بمراجعات لتصحيح المسار في قضايا متعددة، وأبدت قياداته استعدادها للإعلان عن مبادرة للعمل السلمي.

ماذا كانت النتيجة؟ التنكيل بهم! وكأنّ المطلوب من قبل بعض المسؤولين هو العكس تماماً، أي تبني هذا التيار للعمل المسلح، ورفض العمل السلمي، وتقوية المجموعة المتطرفة على حساب الأقل تطرفاً، وقد بدأ التنكيل بالحكم على كل من د. إياد القنيبي وأبو محمد المقدسي بالحكم على خلفية قضية غريبة عجيبة، دعم طالبان بمئات الدولارات!

لقد حاولنا طرق أبواب كبار المسؤولين في مؤسسات رسمية متعددة، لإزالة الظلم الواقع على هؤلاء وأهاليهم، ولتصحيح السياسات الرسمية الخاطئة بالتعامل معهم، وتحديداً في اللحظة السياسية الراهنة.

بالضرورة، لا يعني قبول رموز التيار بالعمل السلمي أنّ هذا التيار قد تحول بالكامل نحو العمل الاجتماعي والسياسي القانوني، فهنالك ما تزال أفكار متشددة تجاه الدساتير والقانون، وهي أفكار نختلف معها فكرياً وسياسياً، لكن الطريق الأمني ليس هو الأمثل لمواجهة صراع الأفكار، بل ربما هو يعزز التطرف في الدين والفكر، وعلى النقيض من ذلك كلما أتحت الفرصة لهم بالاندماج بالمجتمع ومنحتهم الحبل لذلك، كلما سحبت التيار نحو أفكار أكثر اعتدالاً وأقل تطرفاً، وحميت المجتمع من نار العمليات المسلحة والتطرف الديني.

لم تصل المراجعات إلى حدود مصر والسعودية واليمن، لكنها بلا شك مهمة جداً، وتحديداً عندما تصدر عن شيخ السلفية الجهادية هنا، أبو محمد المقدسي، ضد العمل المسلح في الأردن، فهو يبني جداراً صلباً ضد هذه العمليات، وهي خطوة ليست صغيرة ولا هامشية.

المطلوب أن تتحرك القوى السياسية والوطنية وهيئات حقوق الإنسان لرفع الظلم الواقع على هؤلاء الشباب، حتى لو اختلفنا معهم فكرياً وسياسياً، فهذا ليس مدعاة للصمت على ما يتم من انتهاكات بحقهم!